علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
299
ثمرات الأوراق
فلمّا كان بعد يومين عبر عليّ ذلك الرجل وهو يغني ويقول : إذا ذهب الحمار بأمّ عمرو * فلا رجعت ولا رجع الحمار فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها ، وقعدت في العزاء منذ ثلاثة أيام . قال الجاحظ : فعادت عزيمتي وقويت على كتابة الدفتر لحكاية أم عمرو . * * * الرشيد ورجل من بقايا أمراء بني أمية ومن غريب ما يحكى ، ما حكاه القاضي أبو عليّ الحسن بن عليّ التنوخي في كتاب « الفرج بعد الشدّة » : أن منارة صاحب الخلفاء قال : رفع إلى هارون الرشيد أن رجلا بدمشق من بقايا بني أمية ، عظيم المال ، كثير الجاه ، مطاع ، له في البلدان جماعة ، وأولاده مماليك وموال يركبون الخيول ، ويحملون السلاح ، ويغزون الروم ، وأنه سمح جواد ، كثير البذل والضيافة ، وأنه لا يؤمن من فتق يبعد رتقه . فعظم ذلك على الرشيد . قال منارة : وكان وقوف الرشيد على هذا وهو بالكوفة في بعض حجّه في سنة ست وثمانين ومائة ه ، وقد عاد من الموسم وبايع للأمين والمأمون والمؤتمن أولاده ، فدعاني وهو خال وقال : إني دعوتك لأمر يهمني وقد منعني النوم ، فانظر كيف تعمل ، ثم قصّ عليّ خبر الأمويّ ، وقال : اخرج الساعة ، فقد أعددت لك الجائزة والنفقة والآلة ، ويضمّ إليك مائة غلام ، واسلك البرية ، وهذا كتابي إلى أمير دمشق ، وهذه قيود ، فادخل فابدأ بالرجل ، فإن سمع وأطاع فقيّده وجئني به ، وإن عصى فتوكل به أنت ومن معك ، وأنفذ هذا الكتاب إلى نائب الشام ليركب في جيشه ، ويقبضوا عليه وجئني به . وقد أجّلتك لذهابك ستّا ، ولمجيئك ستّا ، وهذا محمل تجعله في شقه إذا قيدته ، وتقعد أنت في الشق الآخر ، ولا تكل حفظه إلى غيرك حتى تأتيني به اليوم الثالث عشر من خروجك ؛ فإذا دخلت داره فتفقّدها وجميع ما فيها وأهله وولده وحشمه وغلمانه ، وقدّر النعمة والحال والمحل ، واحفظ ما يقوله الرجل حرفا بحرف من ألفاظه ، من حين وقوع طرفك عليه إلى أن تأتيني به ، وإياك أن يشذّ عنك شيء من أمره ، انطلق . قال منارة : فودّعته وخرجت وركبت الإبل ، وسرت أطوي المنازل ، أسير الليل والنهار ولا أنزل إلا للجمع بين الصلاتين والبول وتنفيس الناس قليلا . إلى أن وصلت دمشق في أول الليلة السابعة ، وأبواب المدينة مغلقة ؛ فكرهت الدّخول ليلا ، فنمت بظاهر البلد إلى أن فتح الباب ، فدخلت على هينتي حتى أتيت دار الرجل وعليه صفّ عظيم ، وحاشية كثيرة ، فلم أستأذن ، ودخلت بغير إذن . فلمّا رأى القوم ذلك سألوا